ابن حزم
27
رسائل ابن حزم الأندلسي
أبناء بلده وجد لعلوم الأوائل مكانا « ضروريا » في منهجه التصنيفي . هل كان ابن حزم يهوّن من شأن التعارض المفترض الذي يقيمه الآخرون بين ما يسمّى علوم الأوائل وما يسمى علوم الشريعة ؟ إن من عرف ابن حزم ، الذي طلب الفلسفة ودرس المنطق وألف فيه ووجهت إليه من أجل ذلك تهم مختلفة ، لا يستكثر منه هذا الموقف ، بعد أن استبان له شخصيا سلامة منهجه الذي مارسه عمليا ، فنظرته هذه هي خلاصة لتجربته الذاتية محمولة على « مركب » فكري مفلسف . ولنعد إلى رسالة مراتب العلوم : إنها رسالة لا تقف عند إحصاء العلوم وتصنيفها وتحديد مجال كل علم منها ، بل تتعدى ذلك إلى عدة قضايا تتصل بالعلم مثل التكسّب بالعلم ، فابن حزم يعلي من قيمة المؤدّب الذي يعلم الناشئة الهجاء أو الحساب أو الطب ، وينهى عن صحبة السلطان بالعلم وخاصة أن يصحبه من يصحبه بالطب أو علم النجوم ، وينصح للمتعلّم أن لا يقتصر على السّماع من أستاذ واحد ، ويحذّر من طلب العلم للفخر والتمدّح ونيل الجاه ، ويقف وقفة طويلة عند ذمّ المرء لما يجهل من العلوم ، ويطبّق قانون « التعاون » في العلم كالتعاون في شؤون الحياة الأخرى ، ثم لا ينسى أن يقف عند أدعياء العلم الذين يظنّون أنهم من أهل العلم وهم ليسوا من أهله ؛ وبالجملة فهو يقرر في رسالته هذه بعض « آداب العلم » . على أن أهمّ مظهر في الرسالة بعد تبيانها لمراتب العلوم هو رسمها لمنهج في التدريس ؛ فبعد أن يسلم الوالد ابنه وهو في الخامسة من عمره لمعلّم الخط ، يتدرّج في مراحل الطلب صعودا ، ولعلّ هذا المنهج يصوّر سيرة حياة ابن حزم نفسه في هذا الميدان على نحو مقارب ، ومن الطبيعي أن يباين منهجه هذا ما كان سائدا في الأندلس لأنه جعل للمنطق والعلوم الطبيعية مكانة هامة فيه ، وخير ما يوضح ذلك المنهج أن نضعه على شكل جدول كالآتي : المرحلة الأولى : نوع العلم : أ - الخط . ب - القراءة . المستوى المطلوب : أ - خط قائم الحرف ، بيّن ، صحيح التأليف . ب - التمهّر في قراءة كل كتاب يخرج من يده بلغته ، حفظ القرآن . الكتب المقررة : ب - القرآن الكريم .